بذل وسماحة

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 11:06 بتوقيت طهران
بذل وسماحة

المجاهد الشهيد إبراهيم هادي
عنوان هذه الحلقة: بذل وسماحة
مستلة من كتاب (سلام بر ابراهيم) ، أي سلام على ابراهيم
الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال أيام متوالية على طهران، جعلت من جنوب المدينة أشبه ببحيرة واسعة... حيث دخلت المياه البيوت، فيما أصبحت الأزقة والشوارع أنهاراً، لابد لمن أراد ارتيادها من إقتناء زورق....!
واكتفت الصحافة – التي تخضع لرقابة مشددة من قبل أجهزة أمن النظام الملكي - بنقل نبأ الفيضان، دون التطرق الى عدم كفاءة شبكة الصرف الصحي، وضعف الخدمات البلدية المتعلقة... كأسباب رئيسية للحادث.
مشكلة الفيضان، خلقت أزمة حقيقية على مستوى النقل... حيث قلت حركة سيارات النقل الحكومي العام، فيما انعدمت أو كادت حركة السيارات الصغيرة، مما يعني تعذر الوصول الى البيوت البعيدة أو الواقعة في الأزقة الضيقة، دون الخوض في المياه...
الجو البارد، ضاعف هو الآخر من معاناة السكان، فازدادت الإصابات بالبرد... خصوصاً بين كبار السن والأطفال..
وفي واحد من الأحياء الفقيرة، برزت مشكلة عويصة... فقد بدا أن هناك مجموعة من الشيوخ العاجزين الذين يراد نقلهم لغرض العلاج، دون أن تتوفر وسيلة لإيصالهم الى الطريق الرئيس، حيث تمر سيارات النقل العام.
ولم تأتي الحلول التي طرحها أهاليهم، أو بعض المارة الذين تجمهروا هناك بطائل...
تساءل أحد الشباب الذي وصل للتو:
- خير... هل هناك من مشكلة؟!
تبرع أحدهم، فشرح له القضية... إبتسم وقال:
- بسيطة إن شاء الله..!
إعترض أحدهم متهكما:
إننا نناقش المسألة منذ ساعة، ولم نجد لها حلاً، وها أنت تقول بسيطة!
ضحك الشاب، وقال:
- لا مانع... إستأنفوا النقاش لساعة أخرى، وأنا أجرب طريقتي الخاصة.
ضحك المتجمهرون... وتقدم أحدهم، وقد بدا أنه يعرف الشاب، وقال:
- أهلاً بك أخ إبراهيم... وأردف: ماذا تنوي أن تفعل؟!
قال ببساطة تامة:
- أحملهم على ظهري...
أراد المعترض أن يقول: لو كان ذلك ممكناً لفعلناه... غير أنه لاحظ قامة الشاب السامقة، وعضلاته المفتولة وجسمه المتكامل البناء، فسكت.
لم يضع إبراهيم وقتاً، بل رفع إكمام سرواله، حاسراً عن ساقيه، ثم بدأ مهمته.
قال أحد المتجمهرين، وقد رأى إبراهيم يخوض الماء، وهو ينوء تحت ثقل حمله:
- يا له من شاب شهم...!
- إنها أكثر من شهامة..! رد الشاب الذي يعرف إبراهيم.
- يبدو أنك تعرفه معرفة جيدة... تساءل الرجل.
- ليس بدرجة كافية... لكني سمعت عنه الكثير... وتابع:
- إن إبراهيم، أحد أبطال المصارعة الكبار... لكن الشهرة الواسعة، وأضواء الإعلام، والقوة الجسدية الخارقة، لم تطوح برأسه... وسكت قليلاً، ثم قال:
- لقد رأيته أحدى المرات في موقف عجيب، لا يمكن أن تصدق أنه يصدر من مثل رجل في مركزه أو شهرته..!
إزداد فضول الرجل، فتساءل:
- ماذا رأيت؟!
- رأيته في السوق الكبير يضع بردعة الحمالين على ظهره...
- عجيب... ولماذا يضعها على ظهره؟! قال الرجل مستغرباً...
- ليستخدمها طبعاً كأي حمال آخر...!
- لا أصدق!
- أنا مثلك، صعُب عليّ التصديق، مع أنني رأيته بنفسي... غير أن أحد أصدقائه قال لي: إن إبراهيم يمارس عمل الحمالين عن قصد، حتى يقهر نفسه، خشية من أن يركبه الغرور...!
ظل الرجل فاغراً فاهه، ثم راح يتأمل إبراهيم في جيئته وذهابه... أنفاسه المتلاحقة... وجهه المتصبب بالعرق رغم برودة الجو...
وعندما أكمل مهمته، رفع يده مودعاً... فيما كانت نظرات الجميع ترقبه بإكبار...
دخل إبراهيم وصديقه الملعب، واتجها مباشرة الى قاعة المصارعة... فأمامهما اليوم شوط طويل من التدريب...
وقبل أن يشرعا بتغيير ملابسهما، دخل زميل لهما وقال:
- لقد كنت أتبعكما، إلا أنكما لم تنتبها لي...
ثم توجه الى إبراهيم قائلاً:
- ما شاء الله الأخ إبراهيم، في قده الممشوق وزيه الجذاب... وضحك وهو يتابع:
- السروال والقميص الرائعان... الحقيبة الرياضية المدلاة باليد... كل ذلك يعلن عن شخصية نجم رياضي بارز...!
وأردف:
- كانت هناك فتاتان تسيران خلفكما وتتحدثان... وقد التقطت أذناي بعض حديثهما، فوجدته يدور حول إبراهيم... قال ذلك وعاد يضحك.
طبع الألم ملامح إبراهيم... وبدى عليه السهوم، غير أنه لم يعلق بشيء...
ومضت ساعات التدريب ثقيلة... وما إن حلت ساعة الإنصراف حتى تنفس إبراهيم الصعداء، وكأنه تخفف من وطأة حمل ثقيل...!
خرج مع صديقه بوجه واجم، زاهداً في الحديث... مكتفياً بابتسامة مقتضبة يجاري بها حديث صديقه...
أحس الصديق بعزوف نفس إبراهيم، فقال:
- أما الآن فجاء دورك يا صديقي... إذ لم يبق لدي ما أقوله...
- إبتسم إبراهيم، غير أنه بقي صمتاً...
- تطلع صاحبه في وجهه، وقال:
- أرجو أن لا يكون كلام زميلنا عن الأزياء والمعجبين والمعجبات قد أثارك؟!
أطلق إبراهيم زفرة وقال:
- إذا أُعتبرت الرياضة فرصة لإستعراض القوام الرشيق، والقوة، والأزياء والمظاهر... فهي لا تستحق أبداً كل هذا الجهد والوقت الذي نكرسه لها... بل ستعود بالضرر علينا..!
وأردف: إنما تستحق ذلك، عندما تكون لله... أي في طريق الله، وهي بذلك عبادة..!
واختصاراً للمسير، إخترق الصديقان ساحة صغيرة إستغلتهما مجموعة من الصبيان للعب كرة القدم...
تابع إبراهيم: إن العمر أيها العزيز لأضيق من ذلك بكثير...!
ضحك الصديق، وقال: من يسمع موعظتك هذه، يحسب أن صاحبها قد ناهز التسعين...!
وفوجئ إبراهيم بشيء ثقيل يصدمه بوجهه...
أخذ وجهه بكلتا يديه، فيما صرخ الصديق بشدة:
- ماذا فعلتم أيها الأشقياء...
هتف إبراهيم... لا.. لا... أرجوك!
فر الصبيان متفرقين، ثم توقفوا يتفرجون عن بعد...
إبراهيم الذي جلس على الأرض يداري ألمه، أصبح وجهه أحمر قانياً، فيما دمعت عيناه وتورم أنفه...
وبعد أن أصلح من وضعه، قام على قدميه، وراح يتطلع نحو الصبيان، ثم ارتسمت على وجهه معالم الأسى، وقال:
- يا للمساكين.... يبدو أننا أخفناهم...
ثم لوح لهم بيده، وهتف:
- عفواً... لم يحدث شيء... تعالو نتصالح...
وعندما رأى أنهم لا يستجيبون، فتح حقيبته، واستخرج كيساً من الجوز، ولوح به إليهم، وقال:
- هذا لكم...
ثم وضع الكيس الى جانب الكرة، وقال لصديقه...
- هيا نذهب...
كان الصديق يراقب حركات إبراهيم ويعجب... أي روح شفاف... أي خلق سمح... أي قلب خافق إشتمل عليه هذا الاهاب الوديع...
حدق إبراهيم في عيني صديقه وسأل:
- فيم تفكر؟!
- أفكر، في أن أعود الى كيس الجوز لأتناول جوزة واحدة.. واحدة فقط..
رد عليه إبراهيم باسماً:
- ولم لا... إن كنت ستضمن أن لا تتناول جوزة من النوع الكبير الذي تناولته أنا...
ضحك الصديقان قبل أن يودع أحدهم الآخر، متوجهاً الى بيته.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم