من فعل الكبار

الأربعاء 12 يونيو 2019 - 10:35 بتوقيت طهران
من فعل الكبار

هذه ليست مذكرات تعنى بوقائع ميدانية عاشها المقاتلون.. بل هي صفحات مشرقة، مستلة من جهادهم في ميدانه الأول، على ما نعته أمير المؤمنين، عليه سلام الله، بقوله: "ميدانكم الأول أنفسكم، فإن قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر"
أجل أنها وصف لمنازلات قوية شجاعة، ولكن لا حيث يذهب الناس من مظاهر القوة والشجاعة، ولكن حيث عنى رسول الله (ص) إذ رأى شخصين يتصارعان، فقال:
"ليس الشديد – أي القوي – بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه"
... إذن فحديثنا يعني بهذه المساحة، مستعرضاً وقفات مختارة من حياة المجاهدين جديرة بالتأمل، بل والتمثل أيضاً.

المجاهد الشهيد عبد الحسين برونسي


عنوان هذه الحلقة : من فعل الكبار
"مستلة من كتاب خاكهاى نرم كوشك"
ضواحي مدينة مشهد المقدسة، شرقي ايران، حيث تتلألأ أضواء المرقد المقدس لثامن أئمة البيت النبوي الشريف الإمام علي بن موسى الرضا (ع)، ولد عبد الحسين برونسي في قرية صغيرة هادئة عام ۱۹٤۳، من أسرة فلاحية مؤمنة... ورغم أن أبويه غير متعلمين، إلا أنهما كانا يحملان قلبين نابضين بالإيمان وحب النبي (ص) وآله (ع).
ومن هذا الينبوع الثر، نهل عبد الحسين حب رسول الله – صلى الله عليه وآله – وترعرع في ظله.. وبعد أن نشأ وبلغ مبلغ الصبيان، بدأ يتوقع بشدة لدخول مدرسة القرية، فسجله أبوه فيها.. وسرعان ما شق طريقه في الدراسة، ونال قصب السبق على أقرانه.
وهكذا واصل مشواره الدراسي، حتى دخل عامه الدراسي الرابع... وفي أحد الأيام عاد عبد الحسين الى البيت، وصدره الصغير يموج بهم ثقيل.
على بضعة مئات من الأمتار أنشأت غرفتان متلاصقتان لا تختلفان كثيراً عن بيوت القرية باسم المدرسة.. ورغم هذه البداية المتواضعة، فقد غمرت الأهالي فرحة... لكنها فرصة قصيرة، سرعان ما تحولت الى حالة إستياء..!
فقد عرف الجميع أن المعلم الوحيد الذي سيدير المدرسة هو من أزلام النظام الملكي.. وتساءل الأهالي، ماذا بإمكانهم أن يفعلوا..؟!
تمنوا لو أن العجوز القائم على مكتب القرآن في القرية قادر على تعليم أبناءهم، لما كانوا اضطروا الى إدخالهم مدرسة النظام الملكي الظالم... ولكن.. لا مندوحة من تعليم الأطفال.
دخل عبد الحسين البيت.. القى السلام على أبويه.. وضع حقيبته المدرسية في زاوية من الغرفة... ووقف باستخذاء، موزعاً نظرات مترددة بين أبيه وأمه.. ثم قال وهو مطرق: إسمحا لي أن لا أعود الى المدرسة غداً..!
هزتهما المفاجأة، حدقا فيه معاً... قال أبوه: كلنا نعرف إنك مغرم بالمدرسة، فما الذي حصل حتى تريد الإنقطاع منها؟!
أراد أن يتكلم، غير أنه اختنق بعبرتهم.. ثم انطلق يتحدث بنبرة متوسلة وقد خالط صوته النشيج: أبي.. دعني أساعدك في الحقل.. أقوم بأي عمل آخر، على أن لا أذهب الى المدرسة... ثم انهمرت دموعه بغزارة.. تقدمت أمه.. إحتضنته.. فيما هز أبوه رأسه وكأنه يقول: لابد أن يكون في الأمر سر ما..!!
ومضت ساعة، والأبوان يحاولان إقناع عبد الحسين الصغير، للبوح بما عنده.. إلا أنه رفض ورفض، حتى إذا ما ألحا عليه عاد إلى البكاء من جديد..!
أشرقت الشمس اليوم التالي... وانطلق الفلاحون الى حقولهم، ثم أخذ التلاميذ بالتقاطر على مدرستهم.. وفي بيت برونسي، تقوقع عبد الحسين الصغير على نفسه صامتاً، وقد كست وجهه سحابة من الكآبة...
قالت أمه وقد فرغت من إعداد طعام الفطور: ألا تريد التهيؤ للمدرسة...؟
لم يحر عبد الحسين جواباً...!
تدخل أبوه بنبرة حاسمة: إما أن تذهب الى المدرسة وإما أن تقول بصراحة، لماذا تصر على تركها؟!
نطق عبد الحسين وهو على وشك البكاء: أبي.. إنني أخجل أن أقول لكم..!!
أخذت أمه بيده، وهي تقول: ستكشف السر لأمك.. قادته الى غرفة أخرى وراحت تشجعه على الحديث.. فانبرى يقول بغضب وهو يبكي: ماما لقد أصبحت تلك المدرسة قذرة..!!
إتسعت حدقتا الأم وقالت: لماذا يا ولدي؟!
نطلق باسم المعلم بأوداج منتفخة، وأضاف: رأيته.. رأيته.. ثم توقف عن الكلام، وكأنه عدل عن استخدام كلمة أراد أن يقولها، ثم واصل: رأيته يغازل إحدى فتيات الصف.. وانفجر ثانية في البكاء.. ثم صرخ: لقد أصبحت المدرسة قذرة، أنا لا أريد العودة إليها..!
قبلته أمه، مسحت دموعه، وقالت: كن رجلاً لا تبكي... ثم ذهبت الى زوجها تطلعه على الأمر.. عبد الحسين الذي لم يلفظ فوه كذبة واحدة طيلة سني حياته الغضة، كان لكلماته الصادقة ودموعه السخينة صدى عجيب، كاف لجعل أبيه يعلن قراره سريعاً: إذا كان الأمر كذلك، فأنا الآخر لست راغباً بإبقائه في المدرسة... سكت قليلاً ثم أردف: سآخذه الى مكتب القرآن.
وقبل أن تميل الشمس للمغيب.. كان عبد الحسين يغادر مكتب القرآن، وفي عينيه ألق خاص... كان يسير باتجاه البيت، وعلى لسانه ترديدة متناغمة لمقطع قرآني مما تعلمه ذلك اليوم.

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم