قصة الدواء (القسم الثالث)

الأحد 13 يناير 2019 - 12:52 بتوقيت طهران

الحلقة 37

السلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله، ها نحن نقدم لكم فيما يلي تتمة قصة (الدواء) التي قدمنا القسم الثاني في الحلقة السابقة، وتبين منه ما ملخصه ان المتوسل بالرضا (عليه السلام) فيها هو رجل عانى من ازمة‌ نفسية حادة، ابتلته بها نظرة غير مقصودة وقعت منه على زوجة صديقه محمود الذي ذهب في سفر فأوصاه - لما عرف به من حسن السيرة والصلاح - ان يتابع امر عائلته في غيابه ويشتري لهم ما يحتاجونه.
هذه النظرة غير المقصودة فجرت فيه تعلقاً عشقياً ‌مؤلماً سلبه السكينة وحرمه التوجه المعنوي الذي كان له.
ولم تجد كل محاولاته للتخلص من هذا العشق الأحمق الآثم ومحو تلك الصورة من قلبه، فلجأ الى الله متوسلاً بوليه الرضا، فرأى مولاه )عليه السلام( في عالم الرؤيا الصادقة ثلاث مرات يأمره بالرجوع للحصول على دواء دائه من الشيخ متروك.
فوقع في حيرة شديدة، لأنه لما سأل عن هذا الشيخ عرف انه يسكن في عقد النصارى في بغداد ذي السمعة السيئة، ولم يخبره بخير عنه اي من الاشخاص الذين سألهم. ولما دخل عليه وجده جالساً في غرفة خافتة الاضواء وفي حجره صبي وامامه منضدة‌عليها قنينة فيها شراب اصفر فأثاره هذا المنظر كثيراً، نتابع معاً هذه القصة في قسمها الأخير.
قال الشيخ مبادراً: ما الذي يجيش في صدرك؟ تستطيع ان تقول ما تريد، انا اصغي اليك فأجاب الرجل بأنفعال وهو يصيح بالشيخ في جفاء: اريد ان أسألك! أجبني اذن عما أسألك!
ابتسم الشيخ، وانسل الصبي من الغرفة الى داخل الدار.
- انا استمع اليك. قلت لك اني استمع اليك.
- لقد قيلت عنك اشياء... وأقنعت نفسي الا اصدق ما قيل. والآن... كيف استطيع ان اقنع نفسي، وقد رأيت بعيني هاتين؟!
لم ينطق الشيخ، وألقى‌ على الباب نظرةً تتبع الصبي الذي خرج. وأيقن هو أنه سيحاصر الشيخ بسؤاله: ما هذا الذي رأيتك تفعله؟! الصبي؟! لو لم أر لما صدقت!
جلس الشيخ على الارض الى جوار الأريكة الصوفية الطويلة، وملأ رئتيه بنفس عميق.
- آ..! أنت تسأل عن مرتضى!
وفهم ان الشيخ يتغابى، ليراوغ ويلتف.. حتى ينسيه الموضوع!
- مرتضى؟! أنا لم أسألك عن مرتضى. سألتك عن الصبي، ‌الصبي الذي...!
- مرتضى هو نفسه الصبي الذي تعنيه... حفيدي. حفيدي من ولدي الوحيد حمزة منذ مات أبوه، انكسر قلبه .. .مسكين! كم أحبه! كأني اقبل حمزة حين أقبله...
قاطعه متعجلاً: احفيدك هو حقاً؟!
- ماذا يريبك في الصبي؟! قلت لك.
وفكر: ما يدريني.. فلعله حفيده كما يقول: كان ينبغي ان ألاحظ الشبه بين الصبي والشيخ. انه ليشبهه الى حد لا تخطؤه العين. هذا واضح عليه في سحبة الأنف، وفي الحاجب والعينين.
قال، وقد هدأ روعه وخفت عنه قليلاً سورة الانفعال:
- وهذه الكأس؟! والشراب؟!
التفت الشيخ الى المنضدة الصغيرة في جواره، ثم أدار رأسه اليه يتبسم:
- أوه .. معذرة! فاتني ان اقدم لك.
ثم سكب في الكأس من شراب القنينة... حتى ملأها ورفعها بيده اليه: تفضل. تفضل... اشرب.
ترى ان الشيخ ينوي ان يتحدى مشاعره بهذه الطريقة المزرية؟! اتراه يستخف به الى هذا الحد من الاستخفاف؟!
قال له الشيخ اذ رأه يتردد: طيب ولذيذ. خذ.. خذ!
وأراد هو ان يمتحن الشراب الأصفر الذي قدمه له. تناول الكأس وأدناها الى انفه يتشممها، ثم ادخل اصبعه فيها... وتذوق الشراب. كأنه يميزه! سكنجبين! شراب السكنجبين! لم يكن يخطر له على بال انه مجرد خل وماء فيه سكر مذاب! ما كان يحسب ان المسألة بكل هذه البساطة!
غض طرفه، وقد داخله شيء من الحياء. ثم اصدر نحنةً خفيفة‌ استعداداً لمواصلة الاستجواب. كان يحس ان استجوابه تحول الى ما يشبه الاستجواب الودي بين صديقين.
قال: هاتان اثنتان .. فما تقول في الثالثة؟!
- الثالثه؟! هاتها. قل ما تريد.
- اذا كان الأمر كذلك.. فلماذا انت ساكن في وسط محلة النصارى؟!
اطرق الشيخ، وقد ارتسمت على فمه ابتسامة تنطق بحزن بعيد الغور.
ثم قال له: الحقيقة يا ولدي... الحقيقة اني لم أسكن في محلة النصارى!
وخزه ما سمع، واستيقظت في نفسه الشكوك. قد يستطيع ان يخادعه في كل شيء.. لكنه لا يستطيع ان يخادعه في هذه القضية الواضحة وضوح الشمس. ان القضية مكشوفة عارية لا تحتمل التمويه. انفعل .. وقال باستنكار:
- اليست دارك في عقد النصارى؟! أليست في هذه الحفيرة الموبوءة الفاسدة؟! ان لم تكن هذه محلة النصارى... فمحلة من هي اذن؟! قل لي!
قابله الشيخ بطمأنينة ورحابة صدر. ولم يفهم هو اذ كان ينظر اليه لماذا اتسعت حدقتا عيني الشيخ،‌وترقرق فيهما الدمع.
- اجل... اجل... اجل.
رددها وهو يهز رأسه، كمن يستذكر تاريخاً رائقاً غبر وأفلتت أيامه من اليد.
ثم قال: كما اخبرتك يا بني. نحن لم نسكن في محلة النصارى. النصارى هم الذين سكنوا في محلتنا.
ايصدق ما سمعته أذناه؟! أيجوز لهذا الذي قاله ان يكون؟!
صاح: هم سكنوا في محلتكم؟! لا أفهم!
- هذه الدار التي تراها... دار جدي. ورثها ابي عن جدي. وورثتها عنه، رحمة الله عليه. فيها ولدت وفيها كبرت
ثم اشار يمنة، وهو ما يزال يواصل الكلام: كان الحاج رجب الصفار جارنا حائطاً بحائط. بلزقه دار حسين السقاء طيباً‌ كان، يرحمه الله. وخلفنا الشيخ جواد مع اسرته الكبيرة.
سكت الشيخ لحظة، وقد تعمق في جرس صوته لون الحزن.
ثم قال: ذهبوا. كلهم ذهبوا. أكثرهم ماتوا. انتقل أبناؤهم من بعدهم الى أزقة أخرى .. تفرقوا. هذه هي حال الدنيا.. تريك العجائب. النصارى توافدوا كالنمل لسكنى الزقاق احدهم يجتذب الآخر وبقيت وحدي بينهم.. غريب الدار، غريب الجار!
ادركه شعور بالانكسار يسري الى قلبه، وهو يستمع الى عبارة الشيخ الأخيرة. لعله قد رق له وشاطره أساه. وتمنى لو يتحول الشيخ، الى دار اخرى.. في محلة اخرى. وانه لمستعد ان يساعده في نقل الأثاث. قال بلهجة يتلابس فيها الحياء بالاعتذار: اذن.. اذن لماذا لم تنتقل الى مكان غير هذا، يا شيخ؟
اعتدل الشيخ في جلسته على البساط العتيق، وقال لضيفه الذي ما يزال على وقفته:
الحقيقة يا ولدي.. أني آثرت البقاء في هذه الدار.
لم يقل شيئاً هذه المرة، واعتصم بصمت مستفهم يترقب المزيد من الايضاح.
- ما أردت الانتقال الى محلة اخرى، الى محلة شريفة. أتدري لماذا؟!
ونظر الى الشيخ يستوضح، وينتظر منه الجواب.
- ما أردت الانتقال من هنا.. لئلا يحسن ظن الناس بي، فيستودعني احدهم امرأته لأرعاها في غيبته، فيقع حبها في قلبي،‌ وأكون قد خنته في وديعته!
ماذا؟ ويلاي! كأن ابراً لا يراها قد غرزت بلحظة واحدة في جلده كله، وهو واقف... فاقشعر جسده من عنف ما فاجأه. اتسعت حدقتاه بأوسع مداهما، وهو يحد النظر الى نقطة خفية كالمذهول. وبحركة لا يدري كيف صدرت منه... رفع كلتا يديه ولطم بهما رأسه، ثم تأوه آهةً عميقةً مديدة، كمن صحا توا على حقيقة اليمة موجعة... جعلته يتكسر من الداخل كزجاجة واقفة تحطمت من ضغط انفجار شديد. صرخ:
آي... آي..! ويــ...ـلاي!
كان الشيخ يرنو اليه بعينيه الصافيتين الدامعتين المشربتين حناناً علوياً، ويبصره وهو يخر جالساً على‌ أرض الغرفة ينتحب ويعلو منه النحيب.
لقد لامس الشيخ الدملة الحساسة في محنته الكبرى... التي طالما عذبت أيامه ولياليه. ما جاء‌ الا لمداواتها عنده، ولكن مضيفه عمد اليها وهو غافل ففراها بقوة وهيج ما استكن فيها من خفي الأوجاع. اتراه قد فراها عامداً عارفاً بحكايتها... ام ان يد الغيب هي التي أجرت الأقدار والشيخ لا يدري على هذا النحو المترابط العجيب؟!
وشعر، وهو منخرط في نحيبه، ان كلمات الشيخ قد بدلت في باطنه - وبطريقة مبهمة- شيئاً مهماً.. فاذا صورة المرأة تمحي من خياله تماماً، واذا هو ينسى حبها الذي عذبه وتسلط عليه اياماً عصيبة قاسية.
لم يصدق في اول الأمر. راح يركز فكره ويستجمع ذاكرته.
تحول نحيبه المتعالي الى حنين متصل خفيض، أشبه شيء ببكاء طفل يبكي ويفكر في اثناء البكاء.
حاول ان يطمئن ان يستذكر الصورة، وأن يستعيد منها ملامح الوجه... لكنها استعصت عليه وتأبت على الحضور. لكأنها قد تسربت الى جوف نسيان أبدي لا رجوع فيه. وملأه احساس بأن فري الدملة المتقيحة كان بمثابة علاج له غريب، حدث في لحظة غريبة، ادرك انها مقدسة من لحظات العالم الذي يحيا فيه.
وبدأ يستروح، وقد هذأ البكاء، عطراً رقيقاً ينفحه.. كأن بينه وبينه ذكريات طيبة كانت في زمان. هو نفسه الشذا العابق الذي كان يلقاه في صفاء ليالي التعبد ومجالس سيد الشهداء. هبة له من فوق.. كأغلى ما تكون الهبات. لكنه هبط عليه هذه المرة أسطع من ذي قبل وانفذ .. حتى غمر كيانه كله بالانس والرضى. وداخله شعور كأنه حاضر الآن في رواق من أروقه الروضة النورية في مشهد سيده الرضا بطوس. وكان الشيخ لا يكف عن النظر، بعين الرأفة، اليه.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم