قصة الدواء (القسم الثاني)

الأحد 13 يناير 2019 - 12:50 بتوقيت طهران

الحلقة 36

سلام عليكم ورحمة من الله وبركات اهلاً بكم في حلقة جديدة من هذا البرنامج نتابع فيها قصة‌ الدماء التي بدأناها في الحلقه السابقة، وملخص ما تقدم منها هو ان المتوسل الى الله بوليه الرضا (عليه السلام) رجل ظاهر الصلاح، عانى‌ من ازمة روحية حادة اثر نظره منه وقعت على زوجة صديق له، استأمنه على عياله لكي يرعاهم خلال فترة سفره لأداء فريضة الحج، هذه النظرة اوجدت في نفسه حالة من التعلق بزوجة صديقه، وكان يعرف بأنه تعلق آثم، لكنه لم يكن قادراً على التخلص منه، فلجأ الى مولاه الرضا (عليه السلام) وتوسل به الى الله عزوجل للخلاص من هذه الأزمة، فشاهد مولاه (عليه السلام) في عالم الرؤيا الصادقة يخبره بأن حل ازمته بيد «الشيخ متروك»، ولكن المشكلة ان هذا الشيخ متروك يسكن في عقد النصارى في بغداد وهو محل ذو سمعة سيئة يومذاك يصعب على من هو مثله الدخول اليه، - وهو رجل ظاهر الصلاح- ورغم ذلك ذهب الى هذا المكان بحثا ‌عن الخلاص: نتابع معاً هذه القصة.
اعادته الى نفسه، وهو يقطع عقد النصارى، زعقات نسوة صادرة من داخل البيوت. هذه تنادي ولدها. وتلك تطلق صوتها الأبح بغناء‌ مبتذل كريه. الأبواب يمر بها مفتحة، كأن لا فرق بين بيوتهم والطريق!
اين سيعثر على داره؟! لا مهرب من السؤال. هيئته نفسها، وهو يمشي، تقول لرائيها انه غريب على الزقاق. عبوره هنا عبور مستنكر لا يأمن ان تلاحقه من جرائه الظنون. ومن يدري... فلربما ارتاب به في سرهم من سألهم من معارفه عن ساكن في عقد النصارى قبل صباحين! اكثر معارفه واصدقائه الذين سألهم عنه... لم يعرفوه. صديقه (ابن غفلة) احد الذين عرفوه. اجابه باستغراب ظاهر: ولم تسأل عنه؟!
وادرك عندها ان الامر سراً، فقال بحذر: لا شيء. لا شيء. فقط... فقط فكرت في رؤيته.
تذهب اليه؟! عد الى عقلك يا رجل، واطلب من الله حسن العاقبة!
ترى... ما الذي يقصده ابن غفلة؟! ما الذي يريد ان يقول؟! وكان جواب صياح المدلل، علي عادته، مشرباً بسخرية ضاحكة. قال بصوت جعم لا يبالي بمن حوله:
ماذا قلت؟! الشيخ متروك؟! تسأل عن الشيخ متروك؟! (قاه... قاه... قاه ). لا تسألني عنه، واسأل عنه عقد النصارى!
انكمش قلبه، وود لو انه لم يسأله. انه ليعرف ما يعنيه «عقد النصارى»، وان لم يكن قد ذهب اليه. صحيح ان المدلل هذر اللسان... لكن هذه، على كل حال، علامة اخرى تضاف الى ما قاله ابن غفلة.
اما معروف السوداوي... فلم يطلق للسانه العنان. قال له، لما سأله: يقولون ان اباه كان من الصالحين. اما هو...!
استغفر الله. انا لم اره. سمعتهم يحكون عنه!
كل ما خرج به من الاجابات كان يصدم ما يريده ويعاكسه. امعقول هذا؟! في الرؤيا يؤمر بالذهاب الى الشيخ متروك، وفي اليقظة يسمعونه عنه ما تشمئز منه النفس! اتراهم ثلاثتهم قد تواطأوا على الكذب والافتراء؟! هذا لا يكون! لعلها لم تكن رؤيا صادقة. لعل وضعه النفسي هو الذي صور له كل ذاك. ربما هي اضغاث احلام عليه ان يتجاهلها، ولا يعاود فيها التفكير.
استدار مع الزقاق. واجهه على بعد امتار دكان صغير، جلس في داخله رجل كبير السن... يرتدي قميصاً برتقالياً مخططاً، وسروالاً ذا حمالتين. توقف لحظة يسأله: أ... أين دار الشيخ؟ الشيخ متروك؟
رفع الرجل رأسه ببطء، ونظر اليه بعينيه الصغيرتين. قال له يوميء بيده: قدام. سابع باب، علي اليمين.
أه! انهم ليعرفونه اذن، كأنه واحد منهم! قالوا لي: لا تذهب اليه! لم أطاوعهم. ولكن.. كيف أطاوعهم؟! كيف استطيع الا اجيء؟! حيرة...والله!
حين اغفى بعد الرؤيا، في الليلة التالية... انفتح له مشهد الغيب من جديد. هو ذا امامه الضريح الفضي المشبك! وظهر بهاء الطلعة الرضوية الرشيدة من بين تلألؤ انوار الضريح. حاول هذه المرة ان يشتد من الداخل ويتماسك اكثر من البارحة. هاله ان يشاهد انواراً تصعد وانواراً تهبط وادرك في لحظتها انها انوار هابطة من عرش الجلال. وبدأت انفاسه تتلاحق من رهبة هذا الذي ادركه. وجاءه الصوت القدسي الآسر يخاطبه. لهجة اشد حزماً من المرة الفائتة: لماذا لم تذهب الى الشيخ متروك؟!
وسرعان ما انطوى المشهد في نومته... التي ما أفاق منها الا عند ارتفاع قرص الشمس.
ومرة اخرى.. حيرته الرؤيا. وهذا الذي سمعه عنه؟! كيف يسطتيع ان يوفق بين هذا وذاك؟! انه يريد الخلاص من محنته هذه التي تفتك به.
اتراه يجد علاجها لدى شيخ عقد النصارى؟‌! لا! استغفر الله! هم قالوا! هم يعرفونه!
واقبلت الليلة الثالثة. اعياه التوسل والبكاء. انها لأزمة جديدة هذه التي باتت تقلقه وتسلب منه الرقاد. ارادها حلاً لمعضلته... فاذا هي تزيد الطين بلة، وتضاعف عليه الهموم!
يا سيدي يا علي بن موسي الرضا... خلصني! خلصني بحق امك الصديقة فاطمة الزهراء!
صرخ منه الفواد لائذاً مستجيراً، ثم استعبر يبكي.. حتى تعب من البكاء.
ووجد نفسه ينزلق في اعيائه الى خدر ثقيل. ومرة ثالثة... شاهد الرؤيا: المحيا الهاشمي النوراني... اشد وضوحاً، واجهر في الخطاب. بدا له في هذه الليلة كالمغضب العاتب عليه:
الم اقل لك ان تذهب الى الشيخ متروك؟! لماذا لم تذهب؟!
رائحة الزقاق تضايقه. وثمة عدة من النساء قعدن لدى احد الأبواب. تنقي احداهن الرز، وتنظف اخرى طبقاً من الخضار. مكشوفات الشعر جلسن على قارعة الطريق بلا استحياء. حدجته احداهن بعينين مستفهمتين، وافلتت منها ضحكة هزء مستنكرة. صبراً على بلواك!
لعله الآن يوشك ان يبلغ الدار. كان قد عد في خلال مسيره خمسة ابواب او ستة. ربما كانت الدار التالية هي داره. لعلها هي. وتوقف عند الباب.
باب خشبي قديم متآكل من اسفله. موصد، على خلاف الأبواب. تلفت غريزياً ذات اليمين وذات الشمال، ثم تقدم خطوة ومد يده الى المطرقة البرونزية التي اكتست بطبقة سوداء، فرفعها... ثم تركها تسقط لتحدث صوت طرق مخنوق. وكرر الطرق مرة اخرى... ومرتين.
وسمع من الداخل صوتاً يسأله. صوت امرأة عجوز: من؟!
قال بارتباك: انا. انا. جئت لأرى الشيخ. هل الشيخ موجود؟
لم تجب العجوز. وظل واقفاً ينتظر. القى نظرة على الجدار الذي صعدت الرطوبة اليه. وتطلع الى الشباك الخشبي الناصل اللون، فأدرك من فرط ما تجمع عليه من غبار انه لم يفتح منذ امد بعيد.
وبعد قليل... سمع صرير الباب يفتح ببطء وئيد. وصوت العجوز من الداخل: تفضل. تفضل في الغرفة المقابلة. الشيخ هناك.
وضع قدمه في داخل الدار متهيباً، كمن يخطو في ارض مجهولة يكتنفها الغموض. حتى اذا بلغ الغرفة المقابلة تريث، ثم نقر باصبعه الباب.
تناهى الى اذنه صوت قائل يجيب: تفضل.
دفع بيده مصراع الباب، فبدا له فضاء الغرفة قليل الضوء. تمهل قبل ان يدخل وتقع عيناه على الشيخ. ما الذي يرى؟! سترك يا الله! شيخ اشيب يحتضن في زاوية الغرفة صبياً مليحاً، ويقبل منه الخد! راعه ما رأى.
اهكذا علانية دونما احتشام؟! خطر له ان يرجع من حيث جاء. تطلع اليه الشيخ، ونحى الصبي، ثم قام واقفاً يرحب به: أهلاً بك. أهلاً وسهلاً. تفضل... اجلس.
قال، وقد شعر بصدره يزداد ضيقاً وحنقاً: لا! لا اريد الجلوس. علي ان اذهب!
حدق اليه الشيخ بنظرة عميقة، وشخص هو ببصره الى وجه الشيخ.. أراد ليقرأه.
رجل ستيني ذو لحية طويلة بيضاء. تغلب على وجهه صفرة. صفرة مروقة.
وفي قسماته حيوية غير معهودة في مثل سنه. من عينيه ينبعث شيء كالوميض، على رغم ما يكسوهما من دمع رقيق. ما هو بدمع بكاء. من يدقق النظر اليه يحسب الدمع خلقةً في مآقيه. استغرب حالته.
وحانت منه التفاتة الى منضدة صغيرة على الأرض، استقرت عليها قنينة معتمة، وكأس شراب ممتلئة الى النصف. وتذكر كلام صاحبيه السوداوي وابن غفلة.. فتضاعف وغر صدره على الشيخ. قال بطريقة لا تخلو من ازدراء: كنت جئتك لأمر. ولكني... ولكني لم اعد في حاجة اليك!
ثم خفض رأسه يهمس مع نفسه همساً بلغ آذان الشيخ، قال: اني.
لأتمزق... والله!
ابتدره الشيخ يسأله: ما الذي في صدرك؟ تستطيع ان تقول ما تريد. انا اصغي اليك.
انفعل، وصاح به في جفاء..
ايها الاخوة والاخوات، سنستمع الى ما قاله الرجل - وهو منفعل- للشيخ متروك في الحلقة المقبله التي نكمل فيها هذه الرواية من روايات الفائزين بالشفاء، فكونوا معنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم