سرّ المعجزة

الأحد 13 يناير 2019 - 12:46 بتوقيت طهران

الحلقة 32

السلام عليكم اعزاءنا ورحمة الله وبركاته تعلمون بأن الخضرة تكتسب في شهر الربيع رونقاً خاصاً يميزها عن الخضرة في باقي فصول السنة، الخضرة في الربيع تكون اقوى في بعث البهجة في النفس، ولكن ما هو اعظم منها تلك البهجه التي تبعثها في النفس رؤية خضرة الرأفة الرضوية التي هي حق الربيع وتأتي بالربيع في كل حين، ولكل من طلب الربيع ولو بقلبه ولو لم يطلب منه الامام الرؤوف مباشرةً، تعالوا الى رواية هذه الحلقة التي نشرتها مجلة زائر في عددها التاسع والخمسين الصادر في تموز سنة ۱۹۹۹ عنوان الرواية:

سرّ المعجزة


كان الليل قد انتصف لما وثبت من النوم والعرق يغطي جسدي الملتهب. كان في داخلي احساس مزدوج: احساس بالارهاق الشديد عقب ليلة طويلة لم أذق فيها طعم النوم، واحساس بالسرور الفياض على أثر الرؤيا التي رأيتها لما اخذتني غفوة خاطفة لم تدم أكثر من لحظة.
عدت لأطبق جفني مرةً اخرى... لعلي اعود الى عالم الحلم من جديد. لكني كنت يقظى. يقظى تماماً وصاحية. وفتحت عيني لأشاهد بعين بصري هذه المعجزة الوضاءة التي تجلت لي.
تطلعت الى قبضة يدي. لم أمتلك الجرأة الكافية لفتح اصابع كفي. أريد ان اظل الى الأبد في حالة الخلسة هذه التي لا هي من جنس النوم ولا من لون اليقظة.
وعلى حين غرة.. أضاء البرق فضاء الغرفة فجعلها مجلوةً كالنهار. وانشد نظري الى النافذة. كان المطر ينهمر بغزارة.. يقرع زجاج النافذة، ويسمع من فوق صوت ارتطامه بصفيح السطح. ضجيج هائل. لم أميز... اهو ضجيج منبعث من داخلي، ام هو آت من الخارج!
وأصغيت الى داخلي. كان السكون هو السائد، والطمأنينة شاملة. طمأنينة حديثة العهد، أجربها لأول مرة، وسكون مفعم بعذوبة وليدة. انها معجزة هذه التي لا تسكن قلبي وحده، بل تستكن ايضاً تحت اصابعي هذه التي تحتضن شيئاً نفسياً. أخذت انظر الى قبضة يدي. أردت ان افتحها، فلم تواتني قدرتي على فتحها. ان ما عاينته في الرؤيا هو اعظم واروع من قدرتي على التصديق، لكني اصدقه.. بكل وجودي أصدقه. احس ان روحي الذابلة المترنحة قد غدت - على حين غفلة- نابضة بالمرح والتجدد المستمر. لم اجد ثمة من اثر للضجيج والعجيج. الضجيج والشد والجذب الذي كان يغزو داخلي ويثوره.
اجد ان اضطرام النار الذي كان يثور في نفسي قد هداً وخمد... وتفتحت بدله ازاهير الأمل. الأمل بالحياة. الأمل بالسلامة. الأمل بالشفاء.
ان محنة الداء والاحساس بالخواء الذي كان مقيماً - سنوات طويلة- في كل ذرة من روحي... قد انفك عني دفعة واحدة وولى ذاهباً. ما ثمة الا هذه العواطف الطافحة التي تجعل قطرات دمعي تنساب على وجهي بلا اختيار. دمع الاهتياج النابع من تذكر سنوات المحنة والعذاب، ودمع الاهتياج لحدوث هذه المعجزة المباغتة التي شعت في حياتي كما تشع ماسه نورية في قلب الظلام.
أغمضت عيني لحظة.. لتمر في خاطري ذكريات الداء المريرة متعاقبةً. واحدة بعد واحدة. ذكريات ايام وليال لا تحصى اوقعتني في اسر المرض النفسي والعصبي.
ذكريات الاحزان والدموع الكثار التي كانت تسفحها عيون امي وابي. قلق ابي المغموس باحزانه وهموم قلبه. أكف ابوي المبسوطة في محضر الله لشفائي.
البارحة كانت ليلة بدء السنة الجديدة. أبي كان يدعو في لحظة تحول السنة... وامي تختلس النظر الي وتؤمن على دعاء أبي. اما انا فكنت واهنةً بائسة ملقاة ‌في الفراش، على اثر نوبة عصبية، وعيناي مشدودتان الى السقف. وبالنسبة لي لم تكن السنه الجديدة تعني شيئاً ولا ما يصاحبها من قدوم الربيع. ان ربيع حياتي انما يبدأ عندما انجو من نوبات التشنج العصبي المدمرة. وهو ربيع لم يزرني قط، حتى كانت ليلة البارحة... وزارتني تلك الرؤيا.
في المنام رأيت الربيع مقبلاً بخطواته الخفيفة المرحة.. بأزهاره البيض المتفتحة.
وكانت سلال كثيرة ملأى بالزهر الأبيض تنهمر ازهارها من السماء، وكنت انا واقفة تحت مطر الأزهار. جسدي كله صار عيناً... عيناً تتطلع الى السماء. واخذت انظر بكل كياني لأشاهد زخات الزهر الأبيض في انهمارها العجيب.
وبغتةً... سطع نور من بين بياض الزهر. نور مشرق يشد اليه الأنظار. وانغمرت السماء كلها بالنور. كنت غارقة في بحر النور والضياء. أين انا؟! لم اكن اعرف.
وحدي انا والنور.. وهذه المنارات التي تتلألأ تحت الأضواء. وكان الصحن العتيق، في مهرجان الأضواء المتألقة، قد ملأته جلوة من الصفاء الروحي المدهش. وفي تلك اللحظة كانت طلعة بهية تتبسم لي. لقد كنت في الحضرة قرب حوض مشربة الماء.
توضأت... ومضيت الى الايوان الذهبي. بسطت سجادة خضراء، ولويت لأصلي، اصلي صلاة الحب.. صلاة الشفاء.
وفجأة... اتجهت الي موجة من النور. رحت احدق، من وراء ستارة الدمع، في ذلك الموضع النوراني.
اني لاستطيع ان احس بعظمة هذا النور ايضاً حتى لو اغلقت جفني! كانت تلك القامة النورانية‌ بالقرب مني، جنب المحراب، جنب السجادة.
التقط صاحب القامة القدسية «تربة» السجود من سجادتي، ووضع بدلها تربة اخرى... فماج في الفضاء من حولي طيب عطر. طيب كأنه من اعبق ازهار الجنة. انه طيب المعجزة العابق بالعذوبة الروحية والجمال الذي لا يوصف.
انحنيت على مهل، وتناولت التربة. قبلتها وشممتها، ثم وضعتها على جبهتي.
غمرني شعور بالتخفف وبشفافية معنوية اخاذة، كأني قد تحررت فجأةً من اشق ظمأ كان يلتهب في كياني ويعصف بوجودي.
وضعت التربة بيدي على جبهتي. كانت التربة بلسماً لروحي المحترقة وجبهتي الملتهبة. وأدركت ان المرض قد ارتحل، وسكنت اعماقي عافية طيبة.
رفعت رأسي على عجل لاشاهد البحر النوري الغامر مرةً اخرى. لكن هذا البحر تحول قطرة نور متألقة استقرت عند جبهتي.
قفزت من النوم وانا اجد يدي على جبهتي. قبضت على «شيء» بأصابع يدي، وادنيت قبضتي امام عيني. وخطر في ذهني خيال جميل، لكنه ملفع بالغموض... كأنه سر خفي. ما كنت ادرك منه في تلك اللحظة الا طرفاً منه، وكنت اريده كله. ولقد كان كله في قبضة يدي.
رفعت يدي المرتجفة لتشاهد عيوني اروع تجليات المعجزة. وفعلاً... فتحت يدي. كانت «التربة» في راحتي. وكنت اسمع همسات النسائم الربيعية وايقاع الأذان المحبب.. حاملاً الي رسالة الاعجاز الرضوي الرؤوف، ومبشراً بالشفاء وبابتداء ربيع حياتي.

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم