حامل القنديل

السبت 12 يناير 2019 - 15:25 بتوقيت طهران

الحلقة 23

السلام عليكم احباءنا ورحمة الله وبركاته.
رواية هذه الحلقة عما نشرته مجلة زائر المشهدية في عددها رقم (۱۰۳) الصادر في تموز سنة ۲۰۰۳ ميلادية، فلنستمع اليها معاً محكية على لسان من جرت له الكرامة الرضوية وهو شاب من اهالي افغانستان.
يا حامل القنديل
- فداء لك ايها الامام الرضا.. يا حامل القنديل!
اقولها هذه المرة وانا ارمق ضريحه، ملتصقاً به في زحمة الزائرين. زحمة‌ لم ار مثلها قبل اليوم. غريب انا... آت من مكان بعيد. عند ضريح صاحب القنديل اشعر اني في امان... في حنان هو احب الي من حنان ابي الذي ولدني. ابي سيد هاشمي... وانت يا مولاي يا حامل القنديل الزاهر من ائمة ذرية النبي وسادة بني هاشم. تفقدتني وانا على مشارف الهاوية. كانت اشباح والموت تحيط به مقتربة من كل مكان. نجيتني في احرج اللحظات قاطعاً الي في لحظة مسافات الصحاري والجبال... عبرت الي حتى الحدود!
سنتوات ست وانا انتظر هذه الفرصة... فرصة زيارته والتأدب بين يديه. كيف يتأتى لي ان اشكره؟! أأقول له: انقذت حياتي باذن الله سبحانه انا اليافع ابن الاربعة عشر عاماً الذي اعيش في زاوية مهملة من العالم؟! أأقول له: انك تذكرني، وانا ناسيك؟! تعرفني وترعاني باذنه تعالى كما ترعى نملة ضئيلة في مجاهل الصحراء. هل تكفي هذه الدموع التي اذرفها على الخد لأن اعبر لك عن امتناني وعرفاني للجميل؟! لا اجد ما اشكرك يا سيدي به سوى قولي: اني عاجز عن الشكر ان كرمك الفياض كالسيول الزاخرة في وديان قلب افغانستان... يفوق- يا امامي- كل وصف. اشكر الله يا مولاي عندما اشكرك.
انت باب الله ووجهه، وحجته التي اقامها على خلقه. بك وبآبائك وأبنائك الائمة المعصومين من الله علينا، فجعلكم طريقنا المستقيم والجميل اليه. طالما حكى لي ابي عنكم، وطالما سمعت ذلك في مجالس عزاء سيد الشهداء(ع).
ابي مات... رحمه الله. كان هوالسبب. قلبه الذي ذكرك في تلك الليلة المصيرية هو من جاء بي الآن في ارض خراسان اليك.
كان الثلج قد نزل غزيراً في قريتنا «چربن»‌من قصبة «شهرستان» في مدينة «ارزكان» ووافق شتاء سنة ۱۹۷٤ ايام المحرم وعزاء الامام الحسين(ع). اذكر ذلك اليوم بتفاصيله وكأني اراها الآن:
بعد الغداء ناداني ابي:
- عمران، تحب ان تذهب معي الى مجلس العزاء في «ديده واز»؟
قلت: نعم.. بابا.
- اذن... تهيأ بسرعة. البس ثيابك، فبعد نصف ساعة نذهب.
بعد ساعة بدأنا مسيرنا الى قرية «ديده واز» كان قد نزل امس ثلج كثير، وكانت الارض والتلال بيضاء بيضاء. زاغ بصري من بياض الثلج الساطع. امسك ابي يدي بقوة، وبيده الاخرى عصا غليظة يستند اليها على الارض المغمورة بالثلوج. قطعنا خمس ساعات مشياً على الاقدام حتى وصلنا الى «ديده واز» ومن فورنا توجهنا الى مجلس العزاء. ما كاد الجالسون يرون ابي حتى قاموا احتراماً.
- السلام عليكم... سيد اهلاً بك. تفضل... تفضل في صدر المجلس... هنا.
تقدم المضيف الى ابي وقبل يده، ومضى بنا الى صدر المجلس. تزحزح بعضهم عن امكنتهم وفسحوا لنا، فجلسنا هناك.
ابتدأت مراسم المجلس. ذكر الراثي كربلاء وعاشوراء ومصيبة سيد الشهداء. وبعد انتهاء العزاء مدت السفرة، وابتدأنا بتناول العشاء. من؟! اذلك قاسم؟! هل هو قاسم حقاً؟ لكنه على غير ما يرام! لمحته جالساً في ناحية من الغرفة وانا اتناول الطعام. كانه مريض... صديقي قاسم، طافحةً على وجهه بثور حمر! همست لأبي:
- بابا.. انظر! ذاك صديقي قاسم! اريد ان اذهب اليه.
- لا، اجلس. لا تتحرك من مكانك!
- لكن... لماذا؟!
- انه مريض... مصاب بالحصبة. مرضه معد. تصاب بمرضه اذا ذهبت اليه. اسكت الآن، وكل عشاءك.
كان الجميع مشغولين بالحديث بعد العشاء.. كل منهم يقول شيئاً. وابي كان مشغولاً بهم ايضاً. ابتعدت عنه برفق، ومضيت الى قاسم.
- السلام عليك يا قاسم... ماذا بك؟
- اصبت بالزكام، ثم امتلأ جسمي بالبثور الحمر. قم واذهب... لا تمرض.
- ان شاء الله تشفى.
ودعته وذهبت. وبتنا تلك الليلة‌ في ديده واز. وفي اليوم التالي انطلقنا عائدين الى قريتنا. في الطريق سعلت عدة مرات. سألني ابي:
- ماذا بك عمران؟ هل اصابك البراد؟
- لا ادري. ربما لأني جلست دقيقة قرب قاسم!
- الم اقل لك ان لا تذهب؟!
- لا شيء يا بابا. سعالي لا علاقة له بقاسم!
وصلنا الى الدار وانا اشعر بأرهاق شديد قد استولى على كل بدني. رأسي يدور... اريد ان انام.
مر يومان.. كانت حالتي فيهما تزداد سوءً لحظة بعد لحظة. آلام في كل جسمي. وبدأت تطفح بالتدريج بثور حمر في الاجزاء الظاهرة من بدني. الليلة الثانية كانت ليلة سخونة‌شديدة وقشعريرة. وصل الامر الى اني ما كنت اقدر ان آكل لقمة واحدة. في اليوم الثالث جاء الى دارنا احد الجيران. كان يتحدث مع ابي، وكنت اسمع كلامهما.
- السلام عليكم... سيد. سمعت ان عمران مريض.
- عليكم السلام. نعم، عمران حالته سيئة.
- كثير من اولاد القرية مصابون بالمرض. هذا المرض معد.
- لا ادري... هل يمكن اخذ عمران الى المستوصف؟!
- لا يمكن. اين تريد ان تذهب في هذا الثلج والمطر؟! الطريق الى المدينة ياخذ يومين اصلاً الطريق مسدود بالثلوج. اتريد ان تعرض نفسك للموت؟!
كان ابي ما يزال يتحدث مع الجار عندما جاءتني امي حاملة وعاءً‌ من الحليب.
ادنت الوعاء من فمي، فشربت قليلاً. لقد صار غذائي الحليب، ما اقدر ان آكل شيئاً آخر.
اسمع الريح تعول خارج الدار... وبدأ الجو يظلم بالتدريج. اضاء ابي الفانوس، ثم جاء وجلس في جواري. جاءت امي ايضاً قال ابي:
- اما تريد شيئاً...عمران؟
لم تكن لي قدرة على الكلام. كان صوتي قد بح تماماً. اجبت ابي باشارة من يدي وتنبهت امي الى عجزي عن النطق، فانفجرت باكية. كنت في حالة غريبة... كأني الهمت بأني على وشك الموت. مد ابي يديه الى السماء:
- الهي،‌ نذرت كل غنمي اذا شفيت ولدي.
قالت امي وهي تبكي: سيد... انذر العجل ايضاً.
من فوره نهض ابي، ونظر الى امي قائلاً.
- نذرت العجل ايضاً. اروح الآن لأ ضحي به لعمران، وتوزعين لحمه على اهل القرية.
كان الليل قد انتصف، وما يزال ابي وامي الى‌ جنبي. احس بظل الموت قريباً مني. كان ابي ينظر الي محدقاً بي حينما التفت الى امي كمن خطر في باله شيء في لحظة خاطفة.
قال: لابد ان ننذر اننا نأخذ عمران الى مشهد لزيارة الامام الرضا(ع) اذا شفي.
- فكرة جيدة...سيد. الهي اسألك بحق الامام الثامن ان تعافي ولدنا!‌ اذا بقي نأخذه لزيارة ضامن الغزالة.
قالت امي هذا وسكتت. وغلب الصمت على الغرفة. وكانت الريح ما تزال تتناوح في الخارج. اغلقت عيني، ودخلت في النوم.
وحدي كنت واقفاً في قاع الوادي. كان الوادي كبيراً تحيط به من جانبيه جبال شاهقة. واقفاً كنت حائراً لا ادري اي طريق اسلك. اقدامي ترتجف. نظرت الى اعلى. تراءت لي الجبال اشباحاً سوداً تمد مخالبها نحوي. وبدأت غيوم رمادية داكنة تغطي السماء كلها. كانت الغيوم كتلاً ضخمة في جانبي السماء.. تتحرك متقاربة ليصطدم بعضها ببعض. مرت دقائق... وفجأة‌ انبعث صوت الرعد مهيباً مخيفاً جعلني اتجمد في مكاني. تجاوب الصوت الراعب المجلجل في جنبات الوادي. وفي لحظة... أضاء كل شيء. وبدأت قطرات المطر تنقض عنيفة كوقع السياط.
فررت بلا اختيار الى ناحية، غير اني لم اكد اجري قليلاً حتى توقفت فزعاً! كان سيل هائل يتقدم نحوي من آخر الوادي ويقترب مني. المياه الطاغية الجارفة تتدافع ساعيةً‌ صوبي باصرار عنيد! استدرت واخذت بالجري في الاتجاه الآخر المعاكس لجهة السيل. لكن سيلاً آخر مروعاً كان يتحرك آتياً الي من هذا الاتجاه ايضاً!
تسمرت في مكاني... وانتحبت باكياً. اني محاصر بالموت من كل مكان، ولا سبيل الى الخلاص! في هذه اللحظة الحرجه... وقع بصري فجأة على رجل نوراني مديد القامة كان يقبل الي، مرتدياً ثياباً خضراً، وفي يده قنديل نور صغير. امسك الرجل بيدي ورفعني الى الاعلى. وما هي الا طرفة عين حتى تلاقى السيلان الصاخبان فامتزجا بحراً متلاطم الامواج. ومن فوق كنت احدق بالبحر الكبير المصطخب تحت قدمي. اما انا فقد كنت خفيفاً خفة النسيم، ناجياً بهذا الطيران الملائكي الممتع. ان الرجل ذا القنديل الزاهر قد نجاني من براثن السيل الهادر، في وادي الموت الرهيب.
استيقظت ظهر اليوم التالي... جائعاً، وبدأت اتناول الطعام برغبة. ويوماً بعد يوم كانت البثور الحمر تختفي من بدني وتزول.
في حضرة الرضا(ع)... انا و أمي نؤدي نذر الزيارة. اتطلع بعيون دامعة الى الضريح. فاكاد ابصر لألأة القنديل في تلك الليلة الغريبة المضاءة بنور رأفة الامام الرضا(ع).

*******

 

شاركوا هذا الخبر مع أصدقائكم